كانوا في أول النّهار سحرة وفي آخره شهداء برره. فها هم يرفعون أكف الضراعة إلى الله، لمّا أراد فرعون ردّهم عن دينهم وتهددهم بالقتل وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان،(فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، وقالوا:''لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات''، أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، ولن نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت.''فاقض ما أنت قاض''، أي افعل ما شئت وما وصلت إليه يدك، إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا، أي إنّما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار، ''إنّا آمنّا بربنا ليغفر لنا خطايانا''، أي ماكان منّا من الآثام خصوصا ما
أكرهتنا عليه من السحر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه ... والله خير أي لنا منك إن أطيع، وأبقى أي منك عذابا إن عُصي .. والظاهر أنّ فرعون لعنه الله صمم على قتلهم وصلبهم وفعله بهم رحمة لهم من الله).
وهنا تظهر أهمية الاعتقاد بيوم آخر كأساس في الصمود والتضحية والثبات والصبر، حين تحققوا أنّهم إلى الله راجعون، وأنّ عذابه أشد من عذاب فرعون، ونكاله على ما يدعوهم إليه اليوم وما أكرههم عليه من السحر أعظم من نكاله، فليصبروا اليوم على عذابه ليخلصوا من عذاب الله، ولهذا قالوا:''إنّا إلى ربنا منقلبون''، ثمّ هم بعد ذلك عالمون بطبيعة المعركة، ''وما تنقم منّا إلاّ أن آمنّا بآيات ربنا لما جائتنا''. أي (وما تنكر وتعيب منا إلا أن آمنّا بآيات ربنا، وهو خير الأعمال وأصل المفاخر .. ثمّ أعرضوا عن مخاطبته إظهارا لما في قلوبهم من العزيمة، وقالوا:''ربنا أفرغ علينا صبرا'') .
إنّهم موقنون بالمدد من الله، فما يعلم جنود ربك إلاّهو، وما إنزال الصبر إلاّ واحدا من جنود لا عدّ لها ولا حصر. إنّهم يُقبلون على الموت قائلين:''ربنا أفرغ علينا صبرا''، أي عمّنا بالصبر على دينك والثبات عليه.''وتوفنا مسلمين''، أي (ثابتين على الإسلام) ، وتلك هي الغاية التي يسعى إليها كل المؤمنين.