[قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ(92) ]
قوله: (وأن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شَيْئًا فشَيْئًا) وأن
أواظب عَلَى تلاوته أوله لأن أصل التلاوة ثابت فالْمُرَاد الدوام والمواظبة فيكون (أتلو) من
التلاوة بمعنى القراءة. قوله شَيْئًا فشَيْئًا حال من حقائقه؛ إذ حاصله تدريجيًا ولو جعل حالًا من
التلاوة لكان حاصل الْمَعْنَى مرتلًا. الترتيل القراءة عَلَى تؤدة وتبيين حروفه بحَيْثُ يتمكن
السامع من عدها.
قوله: (أو اتباعه) عطف عَلَى تلاوته أي وأن أواظب عَلَى اتباعه أي اتباع ما فيه من
الأمر والنهي وغير ذلك، فيكون أن اتلو من التلو بمعنى التبع أخّره لأن التلاوة هي الْمُتَبَادَرة
وأنها مستلزمة للتبعية.
قوله: (وَقُرئَ «واتل عليهم» ) عَلَى صيغة الأمر مَعْطُوف عَلَى قل المقدر. وقيل عطف
على معنى (أن أكون) أي كن من الْمُسْلمينَ واتل وهو تكلف.
قوله: ( «وأن أتل» ) بغير واو بـ أن المصدرية الداخلة عَلَى الأمر ومعناه أي أمرت بالتلاوة
بناء عَلَى أن معنى الأمر ليس بمراد أو الْمَعْنَى عَلَى إضمار الْقَوْل. أي وقلنا له اتل عليهم
فيكون معنى الأمر باقيًا عَلَى حاله.
قوله: (فَمَنِ اهْتَدى) باتباعه إياي في ذلك) فمن اهتدى تفصيل ما
أجمل؛ إذ التقدير منهم من اهتدى ومنهم من ضل، فمن اهتدى مطاوع هدى أي فمن قبل
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: [لتنكشف] لي حقائقه في تلاوته شيئاً فشيئاً. معنى الدرج مُسْتَفَاد من التَّعْبير بلفظ أتلو من
التلاوة الموضوعة لمعنى الاتباع فإن في التلاوة اتباع اللَّفْظ الثاني للأول ولا يكون هذا إلا شيئاً
فشيئاً بخلاف التَّعْبير بلفظ اقرأ فإن معنى القراءة الجمع أي جمع الحروف والكلمات غير ملحوظ
في وضعها معنى الاتباع فيكون تفسيره هذا بيانًا بسَبَب ترجح لفظ أتلو عَلَى اقرأ فسر التلاوة
بالمواظبة لإنبائها عن معنى التتابع الذي يلزمه معنى المواظبة. أي أمرت أن أكرر قراءته فإن في
تكرير القراءة اتباع لقراءة الثانية للأولى فيكون تفسيرًا باللازم. أقول: فعلى هذا كان الْمُنَاسب أن يقول
في تلاوته مرة بعد أخرى مكان قوله في تلاوته شَيْئًا فشَيْئًا؛ إذ معنى شَيْئًا فشَيْئًا لا يناسب معنى
المواظبة التي هي تكرير قراءته بل هُوَ مناسب لاتباع اللَّفْظ الثاني للأول وهو لم يفسرها به.
قوله: «وأن اتل» عَلَى صيغة الأمر وأن تفسيرية لتضمن الأمر معنى الْقَوْل.
قوله: (باتباعه إياي في ذلك. أي فمن اهتدى باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي
الأنداد عنه والدخول في الملة الحنيفية فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلَيَّ. الْحَمْدُ للَّه عَلَى ما وفقني
لإتمام ما أمليت في حل تفسير سورة النمل حامدًا للَّه ومعتصمًا بحَبْل اللَّه المتين فالآن أشرع بحوله
وقوته وتيسيره توكلًا عليه مستعصمًا منه في حل ما في تفسير سورة القصص: (رَبِّ اشْرَحْ لِي
صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) . فأقول مستعينًا باللَّه ومبتدئاً.