ولأهمية الاستعانة بالله كان ذكرها في كل صلاة، حين نقرأ مُقرِّين''وإيّاك نستعين'' و (كان تقديم المفعول لقصد الاختصاص، والمعنى نخصك بطلب المعونة، وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان فيه) ؛ ذلك أنّ الإنسان بفطرته يشعر بالضعف ومحدودية القدرات، يقول تعالى:''وخلق الإنسان ضعيفا''، أي (عاجزا غير قادر على ملك نفسه) ، ويضغط هذا الضعف على الإنسان كلما اشتدّ البلاء، حينئذ تستدعي الحاجة طلب العون من الله.
الثانية: الصبر.
و (أصل الصبر - لغة - الحبس وكل من حبس شيئا فقد صبره) ، و (الصبر حبس النفس عن الجزع) ، وعند المفسرين: (حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها) ، أو هو (حبس النفس على مشاق الطاعة والنوائب والمكاره) .
ولقد أكثر القرآن من ذكر الصبر؛ ذلك أنّ المواجهة مع فرعون والتصدي للطاغوت يحتاجان إلى الصبر على ما تحمله هذه المواجهة من آلام جسام، فمقارعة الطواغيت تعني جهادا لا يثبت
فيه إلاّ من وهب نفسه لله، وأيقن بوجوب حبس نفسه على ما تكره، وقدرته على دفعها رغم المخاوف والشدائد، فالطاغوت لا يستسلم بسهولة، وسيدافع بشراسة عن منهجه ونظامه، مستعملا كافة ما لديه من وسائل مرعبة، متجاوزا كل القيم والمثل والأخلاق، لا يردعه ضمير ولا يمنعه إيمان، فليس أمامه سوى مصالحه ومكتسباته التي يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة وجبروت. من هنا كان على من أراد المواجهة أن يتزود بزاد الصبر، فهي مواجهة ساخنة مكلفة، تحتاج منّا الشهداء والجرحى والسجناء والمعذبين ... وكلّ ذلك يتطلب صبرا وتجلدا، يقول صلى الله عليه وسلم:''واعلم أنّ النّصر مع الصّبر''.
والصبر وصية المؤمنين بعضهم لبعض، يقول تعالى:''وتواصوا بالصبر''، وهو الطريق للإمامة في الدّين والدنيا، يقول تعالى:''وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون''، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، والقيادة والريادة في الدنيا، وبه تكون معية الله''والله مع الصابرين''، إنّه سبحانه معهم ينصرهم ويكلؤهم ويرعاهم حتى يظفروا بما طلبوا.