لقد اجتهد مؤمن آل فرعون بالنّصيحة لقومه، ولكنّهم أعرضوا وتولوا، حينئذ قال لهم:''فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد''، أي (سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ونصحتكم ووضحت لكم وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم) ، وأفوض أمي إلى الله، أي (وأسلم أمري إلى الله وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنّه الكافي من توكل عليه) ، وقيل: (هذا يدل على أنّهم أرادوا قتله) ، أو أنّه تعرّض لتهديد ما، وأرادوا الإيقاع به لمخالفته لهم في الدّين.
إنّنا حين نتوكل على الله نشعر بالقوة والثبات والطمأنينة كما كان حال مؤمن آل فرعون، فرغم الأخطار التي أحاطت به استطاع أن يُسجل هذه الكلمة الخالدة؛ ذلك أنّه استجار (بعزيز غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي، حكيم لا يُسوي بين وليه وعدوه) ، ''ومن يتوكل على الله فإنّ الله عزيز حكيم''، فلا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إلى حماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره. وكلّ ما سوى الله تعالى عبد مسخر. حاجته مثل حاجتنا فكيف نتوكل عليه؟! ذلك ظنّ الواهمين والمنافقين ومن طُمس على بصيرته.
كما أنّنا ندرك حين توكلنا على الله - ونحن نخوض جهادنا مع الطاغوت - أنّ وراء الأحداث قوة منفردة بالخلق والاختيار، وأنه ليس لها في الكون كله منازع ولا معقب؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ومرجعها إليه، ''وربك يخلق ما يشاء ويختار''، فحذار من الاستعجال أو التردد والنكوص مهما غلت التضحيات وارتفع ثمن المواجهة مع الطاغوت، فذلك حال المتشككين العابدين لله على حرف؛ ''فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء''.
الوسيلة الثالثة: الاستعانة بالله والصبر