وقبل موسى عليه السلام التّحدي وزاد في توسيع دائرة الحضور مستغلا عنجهية فرعون وغطرسته في التحضير العريض لتلك المباراة الشهيرة، وقال:''موعدكم يوم الزينة وأن يُحشر النّاس ضحى''، ويوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع النّاس فيه، و (هو يوم عيدهم، وتفرغهم من أعمالهم، وإجتماع جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: وأن يُحشر النّاس أي جميعهم ضحى أي ضحوة من النّهار، ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل ليلا ولكن نهارا ضحى) ، وإنّما قال ذلك ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار.
وتظهر صلابة موسى عليه كما تظهر براعته في ردّه على السحرة، حين بدأ مطمئنا إلى الحق الذي معه، وغير مكترث لجموع السحرة المحشودين من المدائن المستعدين لعرض أقصى ما يملكون من براعة، ومن وراءهم فرعون وملؤه، وحولهم تلك الجماهير المضللة المخدوعة .. لقد تجلى هذا الإطمئان والثبات والصلابة والبراعة في تركه إياهم يبدأون، بل وبالإجابة المختصرة، حين''قالوا يا موسى إمّا أن تلقي وإمّا أن نكون أول من ألقى''، فقال موسى:''بل ألقوا''، إظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ، ولكي يبرزوا ما معهم ويستنفذوا أقصى وسعهم ثم يظهر الله سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه.
وفي هذا القدر من الأمثلة كفاية في إظهار ضرورة توفر القدره على التعامل مع المواقف المختلفة والمستجدة وسرعة البديهة وروح المبادرة. فهناك مواقف لا تحتمل التأجيل ممّا يستدعي اتخاذ الموقف السريع والمناسب، وهناك أمور طارئة ومعقدة يخلقها الطاغوت وتبدعها عقليته
الخبيثة، وهي بحاجة إلى حكمة في المعالجة. وكلّ ذلك يوُجب مهارات عالية وقدرات كبيرة وتدريب طويل ومعاناة حقيقية في حمل الدعوة، ففقهنا فقه حركة لا فقه أوراق ميّتة.
عبرة