إنّ هناك من يخلق الحدث، وهناك من ليس له دور إلا الردّ على ما يحدث، والفرق واضح بين الفعل وردة الفعل في تسيير الأحداث. من هنا لا يجب علينا ونحن نخوض جهادنا في نشر دعوتنا أن نكون دائما في مربع الرد في التعامل مع الأحداث بل يجب أن نتقدم نحو الأمام لصناعة الحدث، فالطاغوت يريد المعركة في زمان ومكان معينين، ونحن نريدها غير ذلك. هنا تظهر روح المبادرة والإيجابية في الحركة. وخير دليل ما كان في مكة حيث استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجلب الإنتباه إلى دعوته، وأن يكون هو المحرك للأحداث رغم قلة العدد والعدة.
وهذا لا يعني أنّنا لا نرد على الأحداث بل يجب أن نردّ وأن نتفاعل مع الواقع، ولكن ينبغي أن يكون ردنا وتفاعلنا تفاعلا وردا إيجابيا حركيا لا ردا جامدا سلبيا. فإذا نحن أتقنا الرد والتفاعل الحركي الكامل نستطيع أن نفوت الفرصة على الأعداء والطواغيت، ومن ثمّ لا نمنحهم قدرة الإنجاز من خلال أعمالهم ومنواراتهم.
المبحث الثالث
مرحلة مواجهة الإبتلاءات والمحن بعد إفلاس الطاغوت في الحجة والبرهان
تبدأ مرحلة الإبتلاء عادة بعد أن يشعر الطاغوت بالإفلاس والخطر، فينتقل من الحجة والبيان إلى العصا والسنان، وتلك سنة الظالمين على مدار التاريخ، حيث يكبر عليهم التذكير بآيات الله والدعوة إليه، فلا يعودون يتحملون سماع كلمة الحق، وتضيق بها صدورهم، فقوم نوح قالوا:''لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين''، ويستنكر أبو إبراهيم دعوة ابنه ويقول:''أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنّك''، وقوم شعيب قالوا:''لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا'' .. وهكذا قالوها:''لئن لم تنتهوا لنرجمنّكم وليمسنّكم منّا عذاب أليم''؛ ذلك أنّ المرور بمرحلة الإبتلاء سنّة من الله لتمحيص الصف المؤمن، ولتنقيته من المنافقين، ولتخليص النّفوس من الأهواء والمصالح الخاصة .. فهي مرحلة تهيأة للقيادة وتحمّل الرسالة والأمانة .. ومن أجل هذا كانت الوسائل المُحققة لتلك المعاني والقيم، ثمّ لتحقيق الإنجاز