ومن هنا - أيضا - نفهم قوله تعالى لسيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم:''فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك''. أي (فبرحمة من الله لنت لهم أي سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم بالغضب، ولو كنت فظا يعني جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال، غليظ القلب لانفضوا من حولك أي نفروا وتفرقوا عنك) ، فالقليل من العطف على أخطاء النّاس وهفواتهم، وعدم تتبع عوراتهم وزلاّتهم تقرّب المسافة بيننا وبينهم، وليس هذا تملق أو تزييف للحقيقة بل إيصالها بوجه حسن وأسلوب يرفع قابلية النّاس لاستقبال دعوتنا إلى الله سبحانه.
وهكذا جعل لين الجانب من مظاهر رحمة الله على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه ذلك قوله تعالى:''لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم''.ممّا (يدل على وجوب استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى) ، كما في قوله تعالى:''أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن''.
ولمّا كان لين القول ليس على حساب الحقيقة زاد موسى عليه السلام في بيانه، فقال:''إنّا قد أوحي إلينا أنّ العذاب على من كذب وتولى''، أي أنّ العذاب على من كذّب الرسل وتولى عن
الإيمان؛ ذلك (أنّ القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة، لا يعني الخشونة والفظاظة؛ فقد أَمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق. فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول) ، وهكذا نفهم لين القول لا كما يفهمه بعض المهزومين أمام ضغط الجاهلية والعلمانية والطاغوت.