وإظهار اسم الرب مرّة بعد أخرى في خطاب موسى عليه السلام لفرعون كان لتأكيد الحقيقة الأولى أنّ هناك إلها هو رب فرعون ورب كل شيء، وكذلك الحال في قوله تعالى:''قد جئتكم ببينة من ربكم''.أي (قد جئتكم ببرهان من ربكم يشهد أيها القوم على صحة ما أقول وصدق ما أذكر لكم) ، ثمّ بيّن له العاقبة بقوله:''والسلام على من اتبع الهدى''، دون مواربة أو مداهنة، أي (من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل وعذابه، وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب) .
وهذا هو معنى قوله تعالى لموسى وهارون:''فقولا له قولا لينا''، فالقول الليّن هو (القول الذي لا خشونة فيه .. فإذا كان موسى أُمر بأن يقول لفرعون قولا لينا فمن دونه أحرى بأن يقتدى بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه) ، وقد قال تعالى:''وقولوا للنّاس حسنا''،(فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم، ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة. ومن
شأنه أن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان)، لذلك علم الله سبحانه موسى عليه السلام كيف يخاطب الطاغية بأحب أسلوب وأشده جاذبية للقلوب، لعله ينتهي، ويتقي غضب الله وأخذه، وفي (هذه الآية عبرة عظيمة وهي أنّ فرعون في غاية العتو والإستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين) .يقول تعالى:''اذهب إلى فرعون إنّه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى''، هل لك الى أن تتطهر من الكفر والطغيان ومن دنس الذنوب؟ ''وأهديك الى ربك فتخشى'' .. هل لك أن أعرفك طريق ربك. فتخافه وتتقيه، إذ الخشية إنّما تكون بعد المعرفة. فما يطغى الإنسان ويعصي إلاّ وهو بعيد عن ربه.