نريد بيانا يكشف عن المعنى المقصود وإظهاره كما هو منهج القرآن، يقول تعالى:''هذا بيان للناس''،(فالقرآن أعلى منازل البيان وأعلى مراتبه، حيث جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول وتصوره تصور المشاهد .. وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل، ويبهج ويقلق ويؤنس ويطمع ويؤيس ويضحك ويبكي ويحزن ويفرح ويسكن ويزعج ويشجي ويطرب ويهز الأعطاف ويستميل نحوه الأسماع ويورث
الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا، ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى بعيدا، وله مسالك في النفوس لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة)، ولا عجب من ذلك فالبيان الناجح له تأثير عظيم على القلوب، يقول صلى الله عليه وسلم:''إنّ من البيان لسحرا''.
ولمّا كان البيان خطوة أولى ذات أهمية قصوى سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل أن يحلل عقدة من لسانه تعينه على البلاغ، ''واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي''، (أي يعلموا ما أقوله لهم ويفهموه، والفقه في كلام العرب الفهم) ، وذلك لأنّه كانت في لسانه عجمه. وذلك معنى قوله:''ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل الى هارون''، أي ولا ينطلق لساني في المحاجة على ما أحب، فأرسل إلى هارون ليؤازرني ويظاهرني ويعاونني. (وفي هذا دليل على أنّ من لا يستقل بأمر ويخاف من نفسه تقصيرا أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم) ، لأنّ الغاية هي البيان وليس التفرد فيه، بل إنّ الواقع اليوم يحتاج إلى تعاون كبير في البيان والتبليغ.