لقد كان موسى عليه السلام (حديدا خشنا متصلبا في كل شيء) ، فقد صلّبته التجارب، فمن الترف إلى شظف العيش، ومن الأمن إلى قلب المخافة، وتلك هي التناقضات التي تكشف عن معادن الرجال، يقول تعالى:''ونبلوكم بالشر والخير فتنة''، أي (نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى؛ فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط) .إنّه البلاء الذي يُنتج الصلابة المطلوبة أمام الطواغيت حين تبدأ المواجهة.
المبحث الثاني
مرحلة المباشَرة في التنفيذ
تأتي مرحلة التنفيذ بعد الإعداد والتهيئة، تأتي وقد تجهز موسى عليه السلام وتسلّح بكل ما هو ضروري لتلك المواجهة. ولا نريد هنا سرد الأحداث فتلك مسألة معلومة، ولكن نريد أن نقرأ حدث المواجهة لاستنباط العناصر الأساسية في تلك المواجهة، وفي كل مواجهة مثلها مع الطواغيت، والتي يُمكن إجمالها فيما يلي:
أولا: بيان هدف الدعوة وغايتها مع تقديم الحجة والبرهان
(البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، أو إظهار المعنى للنفس حتى يتبين من غيره وينفصل عما يلتبس به، أو هو إظهار المتكلم المراد للسامع) ؛ فالكلمة المبيّنة لهدف الدعوة وغايتها بصورة لا غبش فيها ولا تشويش، وبذل الجهد المستطاع حتى تكون الدعوة مفهومة عند مَن تخاطبه أمر في غاية الأهمية، إذ أنّ قيمة الشيء تكمن في فهمه وإدراكه، فإذا لم تُدرك الجماهير هدف الدعوة وغايتها تبقى الدعوة لا قيمة لها، فنجاح الدعوة - بعد مشيئة الله سبحانه - منوط بوضوح الخطاب ويسره؛ ذلك أنّ الله سهّل القرآن وهيأه للذكر والاتعاظ، يقول تعالى:''ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر''.ولا بدّ لهذه الكلمة المعبرة الصادقة من تحريك وعي الجماهير حتى تصبح جماهير حيّة قادرة على التمييز والمعرفة، فتعبئة الجماهير فكريا أمر ملح وضروري.
والبيان النّاجح هو البيان الذي يعتمد على الحكمة والموعظة الحسنة، (أي بالمقالة المحكمة الصحيحة، والدليل الموضح للحق المزيح للشبهة، والعبر النافعة المُقنعة على وجه لا يخفى على النّاس وجه الحق) ، وذلك بأسلوب لا إفراط فيه ولا تفريط؛ فالتشدد في غير موضعه تنفير وتدمير، كما أنّ التفريط إضاعة للحق والدّين.