إنّ المحافظة على المكتسبات الخاصة التي ميّز فرعون بها نفسه كانت من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الشخصية، ومن أهم العوامل التي شكّلتها، فالمحافظة على المكتسبات انعكاس للاستئثار الذي تميزت به شخصية فرعون. وفي نفس الوقت كان الحرص على متاع الحياة الدنيا والتكالب عليها نتيجة لما يحمله فرعون من تصور فاسد حول هذه الحياة، فهو كافر منكر للبعث والنّشور، وكل من ينكر اليوم الآخر تزداد شراهته ونهمه في الحياة الدنيا، وبهذا تكون
المحافظة على المكتسبات الخاصة نتيجة وسببا؛ ذلك أنّ الحرص على متاع الحياة الدنيا والتعلق بها أحد موانع الإيمان، ''ذلك بأنّهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأنّ الله لا يهدي القوم الكافرين''، أي بسبب أنّهم اختاروا نعيم الدنيا على نعيم الآخرة.ومن ثمّ يكون الحرص سببا للكفر ونتيجة له كذلك؛ فالعلاقة بين الكفر والحرص على متاع الحياة الدنيا علاقة تبادلية.
إنّ الحرص من طبيعة ابن آدم، يقول صلى الله عليه وسلم:''لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أنّ له واديا آخر ولن يملأ فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب''، فكيف إذا أضيف لهذه الطبيعة قلب ينكر البعث والآخرة؟! لذا كان فرعون شرسا في جمع الدنيا! ومن هنا نفهم قوله تعالى:''ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون''.أي (حرصها على المال) .
ومن المعلوم أنّ أتباع الرسل كانوا من الفقراء والضعفاء الذين لا يعوّق إيمانهم مصلحة ولا جاه ولا مال ولا سلطة، وهذا ما نطق به هرقل لإبي سفيان في حواره معه حين قال:''وسألتك أشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم فزعمت أنّ ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل''، وفي هذا بعض ما نفهم به ظهور شخصية فرعون، إذ أن تلك المكتسبات معوّقات للإيمان، لأنّ إيمان فرعون يعني التنازل عن كلّ ما ليس له به حق.