وبدأ فرعون يحتال بكل الوسائل للقضاء على موسى عليه السلام، فيحرض الناس ويستثير فيهم الحمية الدينية الباطلة، فهو بحاجة إلى حشد كل الطاقات بأيّ وسيلة كانت، وأهمها حَثُّ النّاس للدفاع عن الدين التي ألفته النّفوس:''وقال فرعون ذروني اقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد''.أي أريد قتله خوفا عليكم من أن يغير حالكم وعبادتكم إلى عبادة ربه، مخفيا بذلك خوفه هو من تغيير الأحكام والأوضاع التي يحرص عليها، ولكنّه احتال عليهم ليظهر وكأنّه يخشى أن يضل موسى النّاس ويغير دينهم وعاداتهم.
ثمّ أظهر لهم أنّه يخشى عليهم الفساد الذي سيقع بين الناس بسبب الخلاف والفتنة؛ فيقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم، وهو بهذا يحشدهم في حربه ضد موسى عليه السلام. أو أنّه أراد بالفساد ظهور عبادة رب موسى الذي يدعوهم إلى عبادته، وذلك كان عنده هو الفساد. فجعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى وانتشاره في الأرض واهتداء الناس به فسادا، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن تابعه.
ومن العجيب أنّ هذا المكر السيء الذي يقلب الحقيقة تماما ما زلنا نسمعه هنا وهناك، حيث يحذر الفراعنة الجدد من ظهور الفساد وخراب البلاد على أيّد من يسمّونهم بأسماء كثيرة ومتعددة؛ ذلك أنّ الطاغوت يُوحي للجماهير أنّ زواله لن يكون إلاّ بتخريب البلاد وتحويلها إلى دمار كامل وشامل، وكأنّ الطاغوت يُخيِّر النّاس بين القبول بالواقع الذي يعيشه النّاس في ظل الطاغوت، وبين الدمار الشامل الذي ينتظرهم إذا ما قام هؤلاء الذين يدَّعون الإصلاح بعزل الطاغوت وتدميره! وقد تنطلي تلك المناورة على بعض الجهلة، فيروحون يحذرون من الفتنة! ويروجون
للمثل القائل: عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة، فيقبلون بالفتات الذي تُسكتهم به حكومة الطاغوت.