وهكذا قاده غروره ووهمه إلى تلك المعارضة التي فضحت أمره وكشفت زيغه، (فإذا كان كل ما يقدمه موسى نوع من أنواع السحر فما أسهل الرد عليه، وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنّما تخفي ورائها هدفا من أهداف هذه الأرض، وأنّها ليست سوى ستار للملك والحكم .. ثّم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات، إمّا خارقة كآيات موسى، وإمّا مؤثرة في النّاس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق. فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهريا .. سحر نأتي بسحر مثله!) ، فهذا هو الوهم الذي يغرق فيه فرعون وأمثاله.
ومما يدل على غرور فرعون ووهمه تلك اللامبالاة التي أظهرها في قوله لموسى عليه السّلام:''فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوىً ''.أي (فاجعل بيننا وبينك موعدا أي وعدا، كما يُنبّئُ عنه وصفه بقوله تعالى:''لا نخلفه''فإنه المناسب للمكان والزمان، أي لا نخلف ذلك الوعد نحن ولا أنت، وإنّما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه الصلاة والسلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب وضيق المجال وإظهار الجلادة وإراءة أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة وترتيب آلات المغالبة طال الأمد أم قصر، كما أنّ تقديم ضميره على ضمير موسى عليه الصلاة والسلام وتوسيط كلمة النفي بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الإخلاف) ، وهو بهذا مخدوع بما لديه من أسباب القوة والمنعة والأعوان حتى خيّل إليه أنّه قادر على إخفاء الحقيقة وطمسها.
وقوله:''مكانا سوى''، أي(مكانا مستويا من الأرض لا وعر فيه ولا جبل ولا أكمة ولا مطمئن بحيث يستر الحاضرين فيه بعضهم عن بعض، ومراده مكانا يتبين الواقفون فيه ولا يكون ما يستر أحدا منهم، ليرى كل ما يصدر منك ومن السحرة، وفيه من إظهار الجلادة وقوة الوثوق بالغلبة
ما فيه)، فكانت كل هذه الترتيبات وبالا عليه، حيث كشفت الحقيقة - التي طالما اجتهد موسى عليه السلام لإظهارها وإبرازها للنّاس - كشفا هائلا وبشكل لايدع مجالا لأيّ شك أو ريب، فكان فرعون بغروره ووهمه أن فعل ما يخدم قضية موسى عليه السلام خدمة جليلة كبيرة ربما لم تكن حتى في حساب موسى عليه السلام نفسه.