ولمّا كان حال الطغاة بهذا الحجم من الشراسة والإفراط في الجريمة فإنّ من الطبيعي لمن يريد مواجهتهم أن يكون على قدر كبير من الهمة والعزيمة والتّحمّل، مع ما يصاحب ذلك من الوسائل الضرورية والتي لا بدّ منها، لتكون في حدّها الأدنى كافية للوقوف أمام الطغاة والقيام بالوظيفة الملقاة على عاتق الداعية إلى الله سبحانه وتعالى.
وهذا ما نفهمه من المناسبة في قوله تعالى:''قال ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هي حية تسعى، قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى، واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى، لنريك من آياتنا الكبرى، اذهب إلى فرعون إنّه طغى''، فبعد أن آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنّه رسول، ومهّد له تلك المقدمات، أمره بالذهاب إلى فرعون وأمره أن يدعوه، وليس هذا إلاّ لأنّ موسى عليه السلام قادم على مهمة صعبة وهي: قول الحق أمام فرعون الذي طغى.
ومن هنا كان الخطاب من الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام:''اذهب إلى فرعون''(الذي خرجت فارا منه وهاربا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنّه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الرب الأعلى ... فاستشعر موسى عليه السلام ثقل المهمة، فتوجه إلى الله بالسؤال أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنّه - سبحانه - قد أمره بأمر عظيم وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم
وأشدهم كفرا وأكثرهم جنودا وأعمرهم ملكا وأطغاهم وأبلغهم تمردا، بلغ من أمره أن ادعى أنّه لا يعرف الله ولا يعلم لرعاياه إلها غيره).