وأنت تلحظ هنا أنّ هذه الكلمة اقترنت مع فرعون في مواطن عدة، لذلك كان لا بدّ من أن يكون لها دلالة. وإذا ما تأملنا تلك النّصوص نجد أنّ فرعون في شخصيتة المتعالية يرى في نفسه أنّه فوق مستوى البشر، ومن هذه النّظرة الفوقية المنحرفة بغى فرعون وطغى وظلم واعتدى وتعظم وتكبر وتجبر في الأرض، وجاوز الحدود المعهودة في الظلم والعدوان، وافتخر بنفسه ونسي العبودية
في الأرض، وادعى الربوبية لنفسه، وصار غالبا قاهرا متطاولا على الله، مترفعا عن عبادته، عاليا على من تحت يده في الأرض، قائلا بلسان الحال والمقال: من أشدّ منّي قوة!
ويبرز الاستعلاء بأبشع صِوَرِهِ في حياة فرعون حين حشر''فنادى فقال أنا ربكم الأعلى''، وهذه أشدُّ حالات الإستعلاء البشري حيث أدت إلى استضعاف الآخرين واستخفافهم وإذلالهم للتمكن منهم. وإلى هذه الحالة المَرَضية تعود طائفة كبيرة من المصائب والمحن والابتلاءات التي يعاني منها البشر قديما وحديثا.
إنّ تطاول الزمن على فرعون وهو يملك الثروة والمال والجاه والسلطان والقوة البدنية والعسكرية ... أدخل في نفسه العلوّ، يقول تعالى:''كلاّ إنّ الإنسان ليطغى، أن رآه اسغنى''، وهذا يعني أنّ الغالبية من البشر لا يشكرون حين يستغنون، وهو ذات المعنى الذي نفهمه من قوله تعالى:''وقليل من عبادي الشكور''؛ فحقيقة الشكر (الإعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية، وقليل من يفعل ذلك لأنّ الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية بحسب سابق التقدير) .
لقد غابت عن فرعون - غفلة منه - الحقيقة الباقية''وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور''، فالحياة في الأرض قصيرة محدودة بأجل، متاع الغرور، تخدع من غفل قلبه عن المتاع الذي يدوم ولا ينقضي. وهكذا خُدع فرعون بما ظنّ أنّه كثير وهو - مع الدنيا - بأسرها لا يعدل عند الله جناح بعوضة، يقول تعالى:''وفرحوا بالحياة الدّنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ متاع''، وتلك علة يُعاني منها كثير من البشر.