فإن قلت: إن هذا الآية يُغني أولها، أعني قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} عن آخرها، أعني قوله: {وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} وأي فائدة في ذكر آخرها؟
قلتُ: لا يُغني أولها عن آخرها، إذ معنى أولها وما كنت يا محمد حاضرًا إذ أوصلنا إلى موسى الوحي في الجانب الغربي من جبل الطور، ومعنى آخرها وما كنت من الشاهدين؛ أي: من الحاضرين قصته مع شعيب عليهم السلام، فاختلفت القصتان فلا إيراد على الآية.
{وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) }
قال أبو حيان:
فإن قلت: كيف يتصل قوله: {وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا} بهذا الكلام، ومن أي جهة يكون استدراكًا؟
قلت: اتصاله به وكونه استدراكًا من حيث إن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونًا كثيرة فتطاول على آخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم العمر؛ أي: أمد القطاع الوحي، واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك، وكسبناك العلم بقصص الأنبياء، وقصة موسى.
وقد استُدل بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى عهودًا في محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الإيمان به، فلما طال عليهم العمر، ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود، وتركوا الوفاء بها.
{وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) }
والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عُوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولًا، محتجين علينا بذلك، لما أرسلنا إليهم رسولًا، يعني أن إرسال الرسول إليهم إنما هو ليلزموا الحجة، ولا يُلزموها كقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .
فإن قلت: كيف استقام هذا المعنى، وقد جُعلت العقوبة هي السبب في الإرسال، لا القول، لدخول لولا الامتناعية عليها دونه؟