وإنما أضاف العمل إلى الشيطان، لأنه كان بإغوائه ووسوسته، وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل؛ لأنه لم يكن حينئذٍ مأمورًا بقتل الكفار، أو لأنه كان مأمونًا عندهم فلم يكن له اغتيالهم، ولا يقدح ذلك في عصمته، لكونه خطأ، وإنما عده من عمل الشيطان، وسماه ظلمًا، واستغفر منه جريًا على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم، ولو كان من محقرات الصغائر، أو كان هذا قَبْلَ النبوة.
وقيل: إن هذا إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، والمعنى إن عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد بيان كونه مخالفًا لأمر الله تعالى، مستحقًا للقتل، وقيل: (هذا) إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جُنْدِ الشيطان وحزبه، ثم وصف الشيطان بقوله: {إِنَّهُ} ؛ أي: إن الشيطان {عَدُوٌّ} لابن آدم {مُضِلٌّ} له عن طريق الحق والاعتدال {مُبِينٌ} ؛ أي: ظاهر العداوة والإضلال.
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ... (25) }
فإن قلت: كيف جاز لشعيب إرسال ابنته لطلب أجنبي؟
قلت: لأنه لم يكن له من الرجال من يقوم بأمره، ولأنه ثبت عنده صلاح موسى وعفته، بقرينة الحال، وبنور الوحي.
فإن قلت: إن موسى لم يسق لابنتي شعيب طلبًا للأجر، فكيف أجاب دعوة شعيب في قول ابنته له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ؟
قلت: يجوز أن يكون أجاب دعوته لوجه الله تعالى، على وجه البر والمعروف لا طلبًا للأجر، وإن سمي في الدعوة أجرًا. اهـ"فتح الرحمن".
ولأنه كان بين الجبال خائفًا مستوحشًا فأجابها.
وفي"الكشاف": أنَّ طلب الأجرة لشدة الفاقة غير منكر، وهو جواب آخر، ويشهد لصحته {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} اهـ.
{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) }
فإن قلت: ما الفائدة في إلقائها؟
قلتُ: أن يألفها ولا يخافها عند فرعون إذا ناظره بقلب العصا وغيره من المعجزات، كما في"الأسئلة المقحمة"، وقيل: المعنى أقبل إليَّ يا موسى ولا تخف مما تهرب منه، فإنك آمن من أن ينالك سوء، إنما هي عصاك، أردنا أن نريك فيها آية كبرى، لتكون عونك لدى الطاغية الجبار فرعون ملك مصر.