أي: لنعرفنهم طريق ديننا ، وسبيل المعرفة بنا ، وسبيل الله دينه ، وسبيل الله الطريق المؤدي إلى عبادته ، والمعرفة به
فإن قيل: فكيف قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ولا سبيل لهم ، إلى أن يجاهدوا في طاعته إلا بهدايته إياهم إلى سبيله ، وبنصره إياهم في
سلوك طرق عبادته .
قيل: يحتمل أن يقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}
بهدايتنا لهم في الابتداء ، ولنهدينهم سبلنا في الانتهاء بإدامة تلك الهداية ، والتوفيق ، والنصرة ، وذلك فيمن علم الله من حاله أنه لا يرتد عن دينه ، وأنه يموت على الإيمان ؛ فإنه يهديه ابتداء ؛ ليجاهد في طلب الطريق إلى الله ، ثم
يهديه بعد ذلك هداية بعد هداية ؛ حتى يبلغ بها درجة العصمة .
وهذا كقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) }
ويحتمل أن يقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}
في طاعتنا في الدنيا لنهدينهم سبلنا
في العقبى بالثواب لهم على ذلك ، كما قال: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) } .
يحتمل باللطف في الدنيا ، وبالثواب في العقبى.
ويحتمل أيضاً: أن يقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}
أي: في طلب معرفتنا.
إلى ما طلبوا في العقبى برفع المجاهدة ، والإتيان
بالمجاهرة ، والمكاشفة ؛ فإن المجاهدة مقرونة بالمحن ، وعوارض
الفتن ، والمعاينة معها السلامة من كل آفة ، ولذلك كان تحيته لهم.
لهم عند اللقاء سلام في قوله: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) } .
وفي قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ}
بالجنة محلهم ، وهي دار السلام ، واللقاء موعدهم ، ومعه تحية بالسلام من
الرب الذي هو السلام.
فكأنه يقول: {تَحِيَّتُهُمْ} التي هي مقرونة بالسلامة من كل وجه ؛ كما
هديناهم إلى سبلنا المقرونة بالمخاوف المربوطة بالمجاهدات ؛ التي