فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟
فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال.
{إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) }
أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة.
وإنما جعل {خَيْرَ مَنِ استأجرت} اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب للتقديم.
«فَإِنْ قِيلَ» : القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟
فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة.
قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، وصاحب يوسف، وأبو بكر في عمر.
فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟
قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: {إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ} .
قوله {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}
قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب.
وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال {إِن شَاءَ اللَّهُ} للاتكال على توفيقه ومعونته.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟
فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع.
قوله {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي: حُجَّةً وبرهاناً {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} .
«فَإِنْ قِيلَ» : بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟