وربما قيل في قوله تعالى (فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) كيف يصح من النبي أن يقع منه قتل من لا يحل دمه؟ وجوابنا ان وكزه كان على وجه الدفع لمّا أراد مخاصمته ولم يظن انه يؤدي إلى قتله وذلك كالمرء يؤدب ولده استصلاحا له فيؤديه إلى الموت وهذا من الصغائر التي نجوزها على الأنبياء ولذلك قال (هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست من خلق الله تعالى وإلا كان الأشبه به أن يقول هذا من عمل الرحمن ولذلك قال بعده (قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقوله تعالى (قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) أحد ما يدل أيضا على ما قلناه لأن فعل المجرمين إن خلق جرمهم فلا فائدة في أن يكون ظهيرا وإن لم يخلق هو أيضا فلا فائدة في ذلك وقوله تعالى (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) يحتمل أنه ظهر منه ما يوجب أن لا يعينه ويحتمل أنه خاف إن أعانه على نفسه منهم فلا مطعن في ذلك وقوله من بعد (فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) يدل على التأويل الثاني وانه خاف من ذلك فلهذا امتنع من نصرته وقوله تعالى (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) أحد ما يدل على وجوب العمل بالخبر فيما يجري مجرى الخوف ولذلك خرج خائفا إلى مدين وسأل الله تعالى أن ينجيه من القوم الظالمين ولو كان ظلمهم من خلق الله لكان ينجيه من نفسه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقوله تعالى من بعد (فَسَقى لَهُما ثُمَ