قوله تعالى {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} كان موسى في بداية حاله في مقام العشق والمحبة وكان أكثر أحوال مكاشف في مقام التباس فلما حان بدر كشفه جعل سبحانه الشجرة والنار مرأة فعلية فتجلى بجلاله وجماله من ذاته سبحانه لموسى واوقع موسى في رسوم الإنسانية حتى لا يفزع ويدنى من النار والشجرة ثم ناداه منها بعد أن كاشف الله مشاهدة جلاله ولولا ذلك لفنى موسى في اوّل سطوات عظمته وعزته ومعنى بورك من في النار انه تعالى وتقدس عن المثال والخيال أراد به نفسه المقدس الذي يزيد بركة مشاهدة موسى فالندامة وهو كلامه السرمدى المبارك ذاته وصفاته بورك قدس عن إشارة كل مشبهى أشار إليه بالأماكن للجهات هو تعالى تجلى بوصف النار والنور من الشجرة والطور ذاته وصفاته منزه عن الجملة وهو نادران يرى نفسه لعاشقه بكل ما يليق بحاله ولم يتجل له صرفا من عزة ذاته وجلال صفاته لا يحتملها الكون والكائنات باسرها بل هذا تربية العاشق ربما يرى نفسه من شجرة وربما يرى نفسه من الشمس والقمر والكواكب وغيرها من آيات ملكوت السماوات والأرض لذلك قال إبراهيم هذا ربى وقال عليه السّلام"أن الله تعالى يرى هيئة ذاته كيف شاء"ويجوز أن تلك البركة تعود إلى موسى من مشاهدة من النار وفى كل موضع تظهر بركة كشف مشاهدة الحق يكون مباركا بركة ألا ترى إلى قول القائلاذا نزلت سلمى بواد فماؤها زلال وسلسال وشيحانها وردقال ابن عطاء اصبتك بركة النار بموارد الأنوار عليك ومخاطبة الحق إياك فإنك انست في الزاهر ناراً وانست به وكان في الحقيقة أنوارا فازال عنك انسك بها وخصك بالإنس بنورها فكلمك وثبتك عند الكلام خصصت بها من بين جميع الرسل.
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)
يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)