وإلى هذا ذهب الزمخشري فقال:"فإن قلت: عَلامَ عُطِفَ هذا الكلام، وبِمَ اتَّصل؟ قلتُ: لمّا كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به مقامًا أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم:"وَأُوتِينَا العِلمَ"، نحو أن يقولوا عند قولها:"كَأَنَّهُ هُوَ"قد أصابت في جوابها، وطَبَّقت المِفصَل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله وصحة النبوة بالآيات التي تقدَّمت عند وَفْدة المُنْذِر وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها، عطفوا على ذلك قولهم: وأُوتِينا نحن العلم بالله وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده قَبل علمها، ولم نزل على دين الإسلام؛ شكرًا لله على فضلهم عليها، وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها"انتهى كلام الزمخشري.
وقد ظاهر الشهاب قول الزمخشري، فقال:"ومحصله أن في الكلام طيًّا لما"
ذكروه من علمهم بإسلامها وانقيادها وتصديقها بالمعجزات. وذلك المطويُّ هو المعطوف عليه، وليس الدال على ذلك قولها:"كَأَنَّهُ هُوَ"، بَل جَعْلُ علمهم وإسلامهم قبلها فإنه يومئ إلى ما ذكر. فتدبَّر؛ فإن هذا المقام مما زلت فيه الأقدام". وممن رجّح هذا الوجه ابن عطية والشوكاني والجمل. أما أبو السعود، فقد ذهب مذهبًا مخالفًا، إذ رجَّحَ أنه من كلام بلقيس، ونعت الوجه الآخر بأنه"مما لا يخفى ما فيه من البُعد والتعسّف"."
-وعلى ذلك يكون قوله:"وأُوِتينَا العِلمَ ..."ومعطوفه في محل نصب إذا جعلته من تمام كلام بلقيس، ومعطوف على مقدّر محذوف لا محل له من الإعراب إذا كان من قول ملأ سليمان أو سليمان وحده. ولكونه مقول قول مضمر على هذا الوجه؛ فهو في محل نصب أيضًا بهذا الاعتبار.
{وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) }
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ:
وَصَدَّهَا: الواو: للاستئناف أو العطف، وأجاز بعضهم أن تكون للحال، ويأتي بيانه. صَدَّهَا: فعل ماض. والهاء: في محل نصب مفعول به. وفي فاعله أقوال يتفرع عليها إعراب ما بعده، وحاصل الأقوال فيما يأتي: