في القيامة يُنزع منك كلّ شيء تملكه وكلّ قدرة لك على ما تملك حتى جوارحك لا قدرةَ لك عليها ، ولا إرادةَ لتنفعل لك ، هي تبع إرادتك في الدنيا ، وبها ترى وتسمع وتمشي وتبطش ، أمَّا في الآخرة فقد سُلِبت منك هذه الإرادة ، بدليل أنها ستشهد عليك ، وتُحاجّك يوم القيامة .
ثم ينتقل السياق بنا مرة أخرى إلى آية كونية: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا}
قوله تعالى {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} [النمل: 88] أي: تظنها ثابتة ، وتحكم عليها بعدم الحركة ؛ لذلك نسميها الرواسي والأوتاد {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب} [النمل: 88] أي: ليس الأمر كما تظن ؛ لأنها تتحرك وتمر كما يمرّ السحاب ، لكنك لا تشعر بهذه الحركة ولا تلاحظها لأنك تتحرك معها بنفس حركتها .
وهَبْ أننا في هذا المجلس ، أنتم أمامي وأنا أمامكم ، وكان هذا المسجد على رحاية أو عجلة تدور بنا ، أيتغير وضعنا وموقعنا بالنسبة لبعضنا؟
إذن: لا تستطيع أن تلاحظ هذه الحركة إلا إذا كنتَ أنت خارج الشيء المتحرك ، ألاَ ترى أنك تركب القطار مثلاً ترى أن أعمدة التليفون هي التي تجري وأنت ثابت .
ولأن هذه الظاهرة عجيبة سيقف عندها الخَلْق يزيل الله عنهم هذا العجب ، فيقول {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] يعني: لا تتعجب ، فالمسألة من صُنع الله وهندسته وبديع خَلْقه ، واختار هنا من صفاته تعالى: {الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] يعني: كل خَلْق عنده بحساب دقيق مُتقَن .
البعض فهم الآية على أن مرَّ السحاب سيكون في الآخرة ، واستدل بقوله تعالى: {وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة: 5] .