المراد من ميراث سليمان داود: أنه صار نبيًّا وملكًا بعده، فوراثته إِياه مجاز عن ذلك، ولم يرث عنه المال، قال - صلى الله عليه وسلم:"نحن معاشر الأنبياء لا نورث". رواه أبو بكر وعمر أمام جمع من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد، وهم الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وأَخرج أبو داود والترمذي عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِن العلماءَ ورثة الأَنبياءِ، وإِن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن وَرَّثُوا العلم، فمن أَخذه أخذ بحظ وافر".
والمراد من الناس: أَهل مملكته، ومن منطق الطير: لغته التي يتخاطب بها بصوت أَو بإشارة، وكان يعرف لغة الحيوانات والحشرات، ومن ذلك ما روته هذه السورة من قصة الهدهد والنملة.
وقد عرض بعض المفسرين لذكر قصص عن طيور مختلفة فهم لغتها وأَصواتها، ولا تعدو هذه القصص أن تكون مجرد حكايات لم ترد عن الصادق المصدوق، فلهذا لم نذكرها هنا، التزاما بما التزمنا به من الاقتصار في التفسير على المعنى اللغوى أَو المأْثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَو ما قاله السلف مما يتفق مع القواعد الشرعية والمعنى اللغوى، وحسبنا أن الله - تعالى - أطلق تعليم سليمان منطق الطير، وهذا يتناول فهمه للغته ومراداته منها على أوسع نطاق، هذا أَمر خص الله به نبيه سليمان، وليس من باب الفراسة ولا مجرد الذكاء، وإِنما هو بتعليم الله إياه ذلك، كما هو صريح الآية الكريمة ليكون ذلك من المعجزات التي أَيد الله بها رسالته.
ومعنى الآية: وقام سليمان بعد أَبيه مقامه في النبوة بوحى من الله، وفي الملك برضا أُمته، وقال تَحَدُّثًا بنعمة الله، وإِعظاما لقدرها، ودعوة للناس أن يصدقوه في نبوته بذكر المعجزة التي أَيده الله بها - قال: يا أَيها الناس علمنا الله - تعالى - لغة الطير التي يتخاطب بها، وأُوتينا من كل شيء يحتاج إِليه الملك وتؤيد به النبوة، كتسخير الشياطين والريح، وغير ذلك من أُمور الدنيا والآخرة، إِن إيتاءَ العلم والإعطاء من كل شئٍ لهو الإحسان الواضح من الله رب العالمين، المقتضى لجزيل الشكر ممن أُنْعِم به عليه.