وأما الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح ، لأن جميع الآيات التي فيها حركه الجبال كلها في يوم القيامة ، كقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً} [الطور: 910] وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً} [الكهف: 47] وقوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً} [النبأ: 20] وقوله تعالى: {وَإِذَا الجبال سُيِّرَتْ} [التكوير: 3] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] جاء نحوه في آيات كثيرة كقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المومنون: 14] وقوله تعالى: {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتِ} [الملك: 3] وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} .
قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} إلى قوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [هود: 5] .
قوله تعالى: {مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} .
اعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات.
الأول حسنة: هي فعل خير من أفعال العبد ، كالإنفاق في سبيل الله ، وبذل النفس والمال في إعلاء كلمة الله ، ونحوه ذلك ومعنى قوله تعالى: {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات ، أن الثواب مضاعف ، فهو خير من نفس العمل ، لأن من أنفق درهماً واحداً في سبيل الله فأعطاه الله ثواب سبعمائة درهم فله عند الله ثواب هو سبعمائة درهم مثلاً ، خير من الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد ، وهذا لا إشكال فيه كما ترى.