وفي هذه الآيات إيضاح لأن معنى قوله: لولا دعاؤكم: أي دعاؤه إياكم على ألسنة رسله ، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملاًن وعلى هذا فلا إشكال في قوله: فقد كذبتم: أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم: أي وقد دعاكم فكذبتم ، وهذا القول هو وحده الذي لا إشكال فيه. فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه.
وأما القول بأن معنى: لولا دعاؤكم: أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد ، والكروب ، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] وقوله تعالى: {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [يونس: 22] .
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] الآية ، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة ، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه.
أما القول بأن المعنى: ما يصنع بعذابكم ، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى ، فقد دل على معناه قوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] الآية.
والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلاً ، وهو أن المعنى: لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده ، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعيطه الله لمن أطاعه ، وما أعده لمن عصاه ، وكثرتها معلومة لا خفاء بها.
واعلم أن لفظه ما ، في قوله: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} قال بعض أهل العلم: هي استفهامية. وقال بعضهم: هي نافية وكلاهما له وجه من النظر.