ولما ثبت أمر الرحمانية ، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص ، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع ، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم ، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن ، وعن الاعتراف والإيمان ، ليرجعوا عن العصيان ، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان: إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه ، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم ، فقال: {قل ما يعبأ} أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن"ما"نافية {بكم} أي أيها الكافرون {ربي} أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته ، المخصص لي بالإحسان برحيميته ، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم {لولا دعاؤكم} أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم ، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه ، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه ، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار {فقد كذبتم} أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم ، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان ، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان ، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد ، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد ، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها ، بسب أنكم قد كذبتم ، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته ، لأنكم قد كذبتم ، فكنتم شراً من البهائم ، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب ، والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء ، لأنكم مكذبون ، وإنما قلت:"الآن"لأن"ما"لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال ، عكس"لا"