فلا سؤال بمثل هذا الموضع لأحد وإلا يعبد، إنه ولم يتعبد العبد، فيجعل له طريقاً إلى العبادة، ولم يستوجب العبد عليه إحساناً وتخلا عن الوسيلة إلى ربه لأنه لما خلقه بدأه بالإحسان، بأن خلقه حياً وأعطاه بياناً وعقلاً، وأزاح علله، وأناله من الخيرات أكثر مما كان يحتاج إليه فوجبت له بذلك عليه حقوق، لو أراد أن يقضيها حتى يخرج من عهدتها ما قدر عليه، فإذا خلا بعد هذا عن العبادة كان الحق كله لله - عز وجل - عليه، ولم يكن قبل الله تعالى وسيلة حتى إذا تعبده بالأمر والنهي، يعيد الطاعة له في أمره ونهيه، صار التزام العبودة واستشعار الذلة وإظهار الرغبة والرهبة، وسيلة له عند الله تعالى يستحق بها أن يحسن الله تعالى.
فإذا تعبده لتكون له هذه الوسيلة فيحسن إليه لأجلها.
فإن قيل: أليس لو أحسن إليه بلا استحقاق لكان ذلك الفضل والكرم سنة فيه إذا أحسن إليه عن استحقاق، وهلا أحسن إليه [[متبدياً إن لم يريد] ]، ما فعل إلا الإحسان.
قيل: هكذا كأن يكون، ولكنه لما كان عدلاً أراد أن يظهر عدله، بأن يوجب للعبد الحق، ثم يجزيه بحسنة عشراً أو أكثر، فيكون أظهر عدله وفضله معاً، كما أنه تعالى خلق ليظهر قدرته، وأعطى ما خلق العقل ليعرف نفسه إليه.
وكذلك أوجب الحق للعبد ثم قضاه، ليعرف بذلك عدله وفضله.
فإن قال: ولم كان هذا؟ وماذا لو لم يخلق أحد، فلم يعرف أصلاً؟
قيل: لا شك أن العقل يدل على أن القديم إذا كان له من المدائح ما قد عرف.
فأن يكون له من يعرفه ويعرف مدائحه ويدعوه بها أحسن من أن لا يعرفه ولا يعرف تلك المدائح له إلا نفسه، فإنما خلق ويعبد، لأن ذلك أحسن، واختيار الأحسن أحسن من اختيار ما ليس بأحسن، وهذا موضع قطع السؤال.
(فصل)
وإن سأل سائل: عن التعريض للثواب بالإيلام والأموال لم جاز؟ أرأيتم لو أحد منا، هل يكون له أن يضرب عبده ليعطيه مالاً، فإذا كان ذلك قبيحاً فيما بيننا، فلم جاز وجود ذلك من القديم إن كان هو الفاعل له كما يقولون؟
قيل: في هذا طريقان كما ذكرنا في السؤال الأول: أحدهما أن لا سؤال عليه لأن ليس لأحد عليه أمر ولا نهي ولا فوق سلطانه سلطان، وإنما قبح ما قبح من العباد لمخالفتهم فيه أمر الله عز وجل، فإذا لم يكن على الله تعالى أمر ولا نهي لم يقبح منه شيء يفعله.
والسؤال عن أفعاله ساقط لأنه - عز وجل - كما وصف نفسه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .