والطريق الآخر أن الله - عز وجل - يعلم أن الثواب الذي يعطيه العبد، وأسر له إذا لقيه من العافية التي يسلبه إياها في الحال، ويعلم أنه واصل إليه غير متخلف عنه، ولا فائت إياه، لأنه في يده وفي سلطانه، لا يخش أن ينس ولا أن يحول حائل بينه وبين إيصاله إلى العبد، فحسن منه أن يمنعه، وإحدى الحسنيين وهو العافية لما هو أحسن منا.
وأما الواحد منا فإنه لا يدري أن ما أعده لعبده خير من العافية الحاضرة، ولا يدري أن يصل إلى ما في نفسه من الإحسان أو لا يصل إن وصل.
فهل يستمع العبد به أو لا يستمع؟ ولعله يصير وبالاً عليه وسبباً لهلاكه.
ولعله يذهب منه قبل أن يستكمل رؤيته.
وإذا لم يكن من هذا شيء، فليست العافية من عطيته.
فيكون له أن يمنعها إياه، ليعرضها منه عطية أخرى.
وإنما هي عطية الله عز وجل، إذا أعطاه إياها أعطاه نظراً له، فهو أعلم بالخير له، والعبد لا يعلم من ذلك إلا ما يعلمه الله تعالى فكيف يكون له أن يتعرض لتكديره وتعييره، وإنما حسن مثل هذا من الله تعالى لأنه امتنان بالعافية.
فإذا أراد أن يأخذها ليبدل مكانها خيراً منها، فإنما يبدل عطية بعطية.
فكان ذلك من معاملة الواحد منا عبده، نظير أن يكون قد من عليه وقتاً بشيء وسكنت نفسه إليه، فينزعه منه كرهاً، ويعوضه خيراً منه، فيكون ذلك حبساً منه، فكذلك إيلام الله تعالى العبد للثواب حسن منه، لأنه في هذا المعنى وبالله التوفيق. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...