ويُرْوَى أن إبراهيم - عليه السلام - وقد أعطاه الله الخُلَّة ، وقال عنه: {وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى} [النجم: 37] وابتلاه بكلمات فأتمهُنَّ ، مرَّ عليه عابر سبيل بليل ، فقبل أن يُدخِله ويُضيفه سأله عن ديانته ، فأخبره أنه غير مؤمن ، فأعرض عنه إبراهيم - عليه السلام - وتركه ينصرف ، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم وسعْتُ عبدي وهو كافر بي ، وتريده أن يغير دينه لضيافة ليلة؟ فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به ، وأخبره بما كان من عتاب ربه له في شأنه ، فقال الرجل: نِعْم الرب الذي يعاتب أحبابه في أمر أعدائه ، وشهد أن لا إله إلا الله وأن إبراهيم رسول الله .
ويرتقي أهل المعرفة بالنسب ، فيروْنَ أنه يتعدَّى الارتباط بسبب وجودك ، وهو الأب أو الأم ، فالنسب وإن كان ميلاد شيء من شيء ، أو تفرُّع شيء من شيء ، فهناك نسب أعلى ، لا لمن أوجدك بسبب ، وإنما لمن أوجدك بلا سبب الوجود الأول ، فكان عليك أن تراعي هذا النسب أولاً الذي أوجدك من عدم ، وإنْ أثبت حقاً للوالدين ؛ لأنهما سبب وجودك .
فكيف بالموجد الأعلى؟
وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101] سأل: تقتضي سائلاً ومسئولاً ، أمّا الفعل (تساءل) فيدل على المفاعلة يعني: كل منهما سائل مرة ، ومسئول أخرى ، كما تقول: شارك محمد عمرًا ، وقاتل . . الخ .
وقد اعترض على هذه الآية بعض المستشرقين الذين يحبون أن يتوركوا على كتاب الله ، قائلين: إن المسلمين ينظرون إلى كتاب الله بمهابة وتقديس يمنعهم ويحجب عقولهم عن تعقُّل ما فيه ، لماذا وقد قال تعالى عن القرآن: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً} [النساء: 82] ؟
يقول هؤلاء: إن القرآن نفى التساؤل في هذه الآية ، وأثبته في قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الطور: 25] في الحوار بين الكفار .