الحرب ظاهرة إنسانية قديمة قدم الإنسان على ظهر هذه البسيطة، فمنذ وُجد الإنسان وهو يصارع ويحارب، وكعلاقة من العلاقات الاجتماعية الحتمية نشأت الحرب، فالاحتكاك بين البشر لابد وأن يُوَلِّد صداماً من نوع ما، لقد جبل الإنسان على غريزة التملك التي تدعوه إلى التشبث بما يملكه، حيث إن هذه الغريزة هي التي تحفظ عليه البقاء في الحياة، وهي بالتالى التي تتولد عنها غريزة المقاتلة، في أبسط صورها دفاعاً عن حقه في الاستمرار والحياة، وقد تتعقد نفسية الإنسان وتصبح حاجاته ومتطلباته مركبة، فلا يقاتل طالباً للقوت أو دفاعاً عنه فقط، وإنما يقاتل طلباً للحرية ورفعاً للظلم واستردادا للكرامة. ويُفَصِّل العلامة ابن خلدون هذه الحقيقة في مقدمته فيقول:"اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان؛ إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعى في البشر، إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه، وإما غضب للملك وسعى في تمهيده".
(ب) الحرب في الكتب المقدسة قبل الإسلام:
إذا ما تجاوزنا الأمم والحضارات البشرية، وتأملنا في الكتب السماوية المقدسة (التوراة - الإنجيل) ، نرى أن هذه الكتب المقدسة قد تجاوزت الأسباب المادية الغريزية التي يقاتل الإنسان من أجلها إلى أسباب أكثر رُقِيًّا وحضارة، فبعد أن كان الإنسان يقاتل رغبة في امتلاك الطعام أو الأرض، أو رغبة في الثأر الشخصى من الآخرين، أو حتى ردا للعدوان، نرى أن الكتب المقدسة قد أضافت أسباباً أخرى، أسباباً إلهية تسمو بالبشرية عن الدنايا وظلم الآخرين، إلى بذل النفس إقامة للعدل، ونصرة للمظلوم، ومحاربة للكفر والخروج عن منهج الله، لقد حددت الكتب السماوية المناهج والأطر التي يُسْمَح فيها بإقامة القتال وعبرت بالإنسان مرحلة بناء المجد الشخصى المؤسس على الأنا، إلى مرحلة التضحية من أجل المبادئ والمثل الإلهية العليا، التي تعمل في إطار الجماعة البشرية لا في محيط الفرد الواحد.
الحرب في العهد القديم:
وردت أسباب الحرب في ست وثلاثين آية تقع في ثمانية أسفار من أسفار العهد القديم هي: (التكوين - العدد - التثنية - يوشع - القضاة - صموئيل الأول - الملوك الثاني - حزقيال) .