لذلك كله اقتضت سنة الله الجارية اختيار الرسل من البشر ؛ وأجرت عليهم كل ما يجري على البشر من ولادة وموت. ومن عواطف وانفعالات. ومن آلام وآمال. ومن أكل للطعام ومعاشرة للنساء.. وجعلت أكبر الرسل وأكملهم وخاتمهم وصاحب الرسالة الباقية فيهم.. أكمل نموذج لحياة الإنسان على الأرض ، بكل ما فيها من دوافع وتجارب وعمل وحياة.
تلك سنة الله في اختيار الرسل. ومثلها سنته في إنجائهم ومن معهم ، وإهلاك المسرفين الظالمين المكذبين:
{ثم صدقناهم الوعد ، فأنجيناهم ومن نشاء ، وأهلكنا المسرفين} ..
فهي كذلك سنة جارية كسنة اختيارهم. وقد وعدهم الله النجاة هم والمؤمنون معهم إيماناً حقيقياً يصدقه العمل ؛ فصدقهم وعده ، وأهلك ، الذين كانوا يسرفون عليهم ، ويتجاوزون الحد معهم.
هذه السنة يخوف الله بها المشركين الذين كانوا يواجهون الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراف عليه ، وتكذيبه ، وإيذائه والمؤمنين معه. وينبههم إلى أنه رحمة بهم لم يرسل إليهم بخارقة مادية ، يتبعها هلاكهم ، إذا هم كذبوا بها كما كذب من قبلهم. إنما أرسل إليهم بكتاب يشرفهم لأنه بلغتهم ، ويقوم حياتهم ، ويخلق منهم أمة ذات سيادة في الأرض وذكر في الناس. وهو مفتوح للعقول تتدبره ، وترتفع به في سلم البشرية:
{لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم. أفلا تعقلون؟} ..
إن معجزة القرآن معجزة مفتوحة للأجيال ، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد ، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل.