والمعنى: أي قالوا في تناجيهم متعجبين من دعواه النبوة: هل هذا الذي أتاكم بهذا الذكر إلا بشر مثلكم، في خلقه وأخلاقه، يأكل كما تأكلون، ويشرب كما تشربون، ويموت كما تموتون، فكيف يختص دونكم بالرسالة؟ والهمزة في قوله: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْر} للاستفهام الإنكاري الابتعادي، داخلة على محذوف، و {الفاء} عاطفة على ذلك المحذوف. وجملة {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} حال من فاعل {تأتون} ، مقرّرة للإنكار، ومؤكدة الابتعاد؛ أي ما هذا الرجل الذي يدّعي النبوة إلّا من جنسكم، وما أتى به - يعنون القرآن - سحر، أتعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تبصرون، وتعاينون أنه سحر، قالوا ذلك لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلّا ملكًا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحرِ؛ أي: الخداع والتخيلات التي لا حقيقة لها.
وخلاصة ذلك: أنهم طعنوا في نبوته بأمرين:
1 -أن الرسول لا يكون إلّا ملكًا.
2 -أنَّ الذي يظهر على يديه من قبيل السحر. وذلك فاسد إذ حجة النبوة تعرف من المعجزة، لا من الصورة، ولو بعث الملك إليهم .. لم يعلموا نبوته بصورته، بل بالمعجزة، فإذا ظهر على يد بشر وجب قبوله.
وإنما أسرّوا ذلك لأنه كالتشاور بينهم والتحاور لطلب الطريق الموصل إلى هدم دينه، وإطفاء نور النبوة، وقد جرت عادة المتشاورين في خطب عظيم أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم، بل يجتهدون في طيّ سرّهم عنهم مَّا استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، كما جاء في أمثالهم: (استعينوا في قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود)