وبعد أن ذكر ما يُظْهِرَونَه حين الاستماع من اللهو واللعب، ذَكَرَ ما يخفونه بقوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ؛ أي: وأمر هؤلاء الذين اقْتَرَبَتِ الساعة منهم، وهم في غفلتهم معرضون التناجي بينهم، وأخفوه عن سواهم. والنجوى في الأصل: مصدر، ثم جُعِلَ اسمًا من التناجي بمعنى القول الواقع بطريق المسارة؛ أي: السر بين اثنين فصاعدًا. يقال: تناجى القوم إذا تساروا، وتكالموا سرًا عن غيرهم. ومعنى إسرارها مع أنها لا تكون إلا سرًا أنهم بالغوا في إخفائها. وقوله: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} على أنفسهم بالشرك، والمعصية. بدل واو {أسروا} للإيماء بأنهم ظلموا فيما أسروا به. أو فاعل له والواو علامة الجمع، أو مبتدأ، والجملة المتقدمة خبره، وأصله: وهؤلاء الغافلون أسروا النجوى، فوضع الموصول موضعه تسجيلًا على فعلهم بأنه ظُلْمٌ. أو منصوب على الذم. ثم بَيَّن ما تَنَاجَوا بِهِ فقال: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} والاستفهام فيه إنكاري، بمعنى النفي، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأنه قيل: فماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: {هَلْ هَذَا} ؛ أي: ما هذا الرجل محمد {إِلَّا بَشَرٌ} ؛ أي: دم ولحم مساوٍ لكم في المأكل والمشرب وكل ما يحتاج إليه البشر، والمود مقصور على البشرية، ليس له وصف الرسالة التي يدعيها، والبَشْرُ ظاهرُ الجلد، والأدمة باطنه، عبر عن الإنسان بالبشر اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف، والشعر والوبر. واستوى في لفظ البشر الواحدُ والجمعُ. وخص في القرآن كل موضع عبر عن الإنسان جثته، وظاهره بلفظ البشر.