إذن: فقوله تعالى: {فَيَدْمَغُهُ ...} [الأنبياء: 18] أي: يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها ، لا عضو آخر يمكن أنْ يُجبر ؛ لذلك يقول بعدها {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ...} [الأنبياء: 18] زاهق: يعني خارج بعنف .
وقوله تعالى: {وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] يعني: أيها الإنسان المغتَرّ بلججه وعناده في الباطل ، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق ، سنقذف بالحق على باطلك ، فنصيب دماغه فيزهق ، ساعتها ستقول: يا ويلتي كما سبق أنْ قالوا: {قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 14] حينما يباشرون العذاب .
ومعنى: {تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] تكذبون كذباً افترائياً ، كما لو رأيت شخصاً جميلاً ، فتقول: وجهه يَصِفُ الجمال ، يعني: إنْ كنت تريد وَصْفاً للجمال ، فانظر إلى وجهه يعطيك صورة للجمال ، كما جاء في قوله تعالى:
{وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب ...} [النحل: 62] يعني: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب بعينه ، فاسمع كلامهم وما قالتْه ألسنتهم .
كما يقولون: حديث خرافة ، وأصل هذه المقولة رجل اسمه خرافة ، كان يقول: أنا عندي سهم إنْ أطلقُته على الظَّبي يسير وراءه ، فإن التفت يميناً سار وراءه ، فإنْ ذهب شمالاً ذهب وراءه ، فإنْ صعد الجبل صعد وراءه ، فإنْ نزل نزل وراءه . وكأن سهمه صاروخ مُوجَّه كالذي نراه اليوم!! فسار كلامه مثالاً يُضرب للكذب .
لذلك قال الشاعر:
حَدِيثُ خُرَافَةٍ يا أُمَّ عَمْرو ... فإنْ أردتَ تعريفاً للكذب فأنا لا أُعرِّفه لك بأنه قوْلٌ لا يوافق الواقع ، إنما اسمع إلى كلامهم ، فهو أصدق وَصْف للكذب ؛ لأنه كذب مكشوف مفضوح .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] أي: يكذبون ويفترون على الله .