فهذا الكون وهذا الإيجاد خلقه الله لخدمة الإنسان ، فلماذا؟ كأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لأنِّي يكفيني من خلقي أن يشهدوا مختارين أنه: لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، وإنْ كانت المخلوقات قد شهدتْ هذه الشهادة مضطرة ، فالعظمة أن يشهد المختار الذي يملك أنْ يشهد أو لا يشهد .
كما أنني بعد أنْ أنعمتُ عليك كلَّ هذه النعم أنزلتُ إليك منهجاً بافعل كذا ولا تفعل كذا ، فإنْ أطعتَ أثبتك ، وإنْ عصيت عاقبتك ، وهذه هي الغاية من خَلْق السماء والأرض ، وأنها لم تُخلَق لعباً .
وهذا المنهج تعرفه من الرسل ، والرسل يعرفونه من الكتاب . فلو كذَّبْتَ بالرسل لم تعرف هذه الأحكام ولم تعرف المنهج ، وبالتالي لا نستطيع أنْ نثيب أو نعاقب ، فيكون خَلْقُ السماء والأرض بدون غاية .
ثم يقول الحق سبحانه: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ...} .
فلو أردنا اللهو لفعلناه ، فنحن نقدر على كل شيء ، وقوله: {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ...} [الأنبياء: 17] تدل على أن ذلك لن يحدث .
فمعنى اللهو هو أن تنصرف إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه ، فالإنسان اللاهي يترك الأمر المهم ويذهب إلى الأمر غير المهم ، فاللهو واللعب حركتان من حركات الجوارح ، ولكنها حركات لا مقصد لها إلا الحركة في ذاتها ، فليس لها هدف كمالي نسعي له في الحركة ، ولذلك فاللهو واللعب دون هدف يسمى عَبَثاً .
وهذا يمتنع في حق الله سبحانه وتعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ...} .
ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب ، وخانوا نِعَم الله في السماء والأرض فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر ، فالحق سبحانه يُملي للباطل ويُوسع له حتى يزحف ويمتد ، حتى إذا أخذه أخْذ عزيز مقتدر ، وقذف عليه بالحق .