لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي:"يا ابن آدم ، خلقتُ الأشياء من أجلك ، وخلقتُك من أجلي ، فلا تنشغل بما هو لك عمن أنت له".
فالكون مملوك لك ، وأنت مملوك لله ، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك .
فما الحكمة من خَلْق السماء والأرض وما بينهما؟ الحكمة أن هذه المخلوقات لولاها ما كُنَّا نستدل على القوة القادرة وراء خَلْق هذه الأشياء ، وهو الخالق سبحانه ، فهي - إذن - لإثبات صفات الجلال والجمال لله عز وجل . فلو ادَّعَى أحد أنه شاعر - ولله المثل الأعلى - نقول له: أين القصيدة التي قلتها؟ فلا نعرف أنه شاعر إلا من خلال شِعْره وآثاره التي ادَّعاها . وهي دعوى دون دليل؟!
وقد خلق الله هذا الخَلْق من أجلك ، وتركك تربَع فيه ، وخلقه مقهوراً مُسيَّراً ، فالشمس ما اعترضتْ يوماً على الشروق ، والقمر والنجوم والمطر والهواء والأرض والنبات كلها تعطي المؤمن والكافر والطائع والعاصي ؛ لأنها تعملبالتسخير ، لا بالإرادة والاختيار .
أما الإنسان هو المخلوق صاحب الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل .
ولو نظرتَ إلى هذا الكون لأمكنك أنْ تُقسِّمه إلى قسمين: قسم لا دَخْلَ لك فيه أبداً ، وهذا تراه منسجماً في نظامه واستقامته وانضباطه ، وقسم تتدخل فيه ، وهذا الذي يحدث فيه الخَلَل والفساد .
قال الحق سبحانه وتعالى: {والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم * والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 38 - 40] .