ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي ما آتينا أهل قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيهم فآمنوا بها، بل كذبوا فأهلكناهم بذلك، أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها؟؟ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ أي أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء المقترحون لو آتيناهم بما اقترحوا، مع أنهم أعتى منهم؟ والمعنى: أن أهل القرى اقترحوا على أنبيائهم الآيات، وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطينا هؤلاء ما يقترحون لنكثوا أيضا، هذا رد لقولهم فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ إن الله عزّ وجل إذا أرسل رسولا فإنه يجعل على
يديه ما تقوم به الحجة على الخلق، أما إذا اقترح الناس الآيات مما يزيد على ما تحتاجه إقامة الحجة، فإن الله عزّ وجل إذا أجابهم إلى ذلك ثم لم يؤمنوا فإن سنته أن يهلكهم، ولقد أعطى الله رسولنا صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، والدلائل البينات، ما هو أظهر وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما أعطيه أي رسول آخر، ومع ذلك لم يؤمنوا بل يقترحون الآيات، وما هم بمؤمنين لو جاءت، ولو جاءت ولم يؤمنوا لأهلكوا، فمن إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لم يستجب لهم في اقتراحهم، وسنلاحظ أنه في نهاية هذه السورة سيأتي قوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ومن مظاهر كونه رحمة للعالمين هذا الإمهال لمن خالفه، وعدم الاستئصال.
كلمة في السياق:
لاحظنا أن الكافرين لا يؤثر فيهم الإنذار، ولا تؤثر فيهم الحجج، ورأينا أن هذا المعنى له صلة بمحور السورة من سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولاحظنا في الآيات الأولى من السورة كيف أن الكافرين يفرون من الحجج إلى اقتراح الآيات، وقد بدأت الآية الأولى من هذه المجموعة بتبيان أنه