وقوله تعالى: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ . .} [الأنبياء: 10] الذكر: سبق أنْ أوضحنا أن الذكر يُطلق بمعنى: القرآن ، أو بمعنى: الكتب المنزّلة ، أو بمعنى: الصِّيت والشرف . أو بمعنى: التذكير أو التسبيح والتحميد .
والذكر هنا قد يُرَاد به تذكيرهم بالله خالقاً ، وبمنهجه الحق دستوراً ، ولو أنكم تنبهتم لما جاء به القرآن لعرفتُم أن الفطرة تهدي إليه وتتفق معه ، ولعرفتم أن القرآن لم يتعصّب ضدكم ، بدليل أنه أقرَّ بعض الأمور التي اهتديتم إليها بالفطرة السليمة ووافقكم عليها .
ومن ذلك مثلاً الدِّيَة في القتل هي نفس الدية التي حدَّدها القرآن ، مسائل الخطبة والزواج والمهر كانت أموراص موجودة أقرها القرآن ، كثيرون منهم كانوا يُحرِّمون الخمر ولا يشربونها ، هكذا بالفطرة ، وكثيرون كانوا لا يسجدون للأصنام ، إذن: الفطرة السليمة قد تهتدي إلى الحق ، ولا تتعارض ومنهجَ الله .
أو: يكون معنى {ذِكْرُكُمْ ...} [الأنبياء: 10] شرفكم وصيْتكم ومكانتكم ونباهة شأنكم بين الأمم ؛ لأن القرآن الذي نزل للدنيا كلها نزل بلغتكم ، فكأن الله تعالى يثني عقول الناس جميعاً ، ويثني قلوبهم للغتكم ، ويحثّهم على تعلّمها ومعرفتها والحديث بها ونشرها في الناس ، فمَنْ لم يستطع ذلك ترجمها ، وأيُّ شرف بعد هذا؟!
وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] أفلا تُعملِون عقولكم وتتأملون أن خيركم في هذا القرآن ، فإنْ كنتم تريدون خُلقاً وديناً ففي القرآن ، وإنْ كنتم تريدون شرفاً وسُمعة وصيتاً ففي القرآن ، وأيُّ شرف بعد أن يقول الناس: النبي عربي ، والقرآن عربي؟
ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ} .