ومَنْ أفرط يقولون: فَرَس فارط عندما يسبق في المضمار . ويقولون: حاز قَصْب السبق ، وكانوا يضعون في نهاية المضمار قصبة يركزونها في الأرض ، والفارس الذي يلتقطها أولاً هو الفائز ، والفرس فارط يعني: سبق الحدِّ المعمول له ، لا مجرد أن يسبق غيره .
لذلك عندما يُحدِّثنا القرآن عن الحدود ، يقول مرة: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] أي: إياك أن تسبق الحد الذي وُضِع لك ومرة أخرى يقول: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ففي المحلّلات قال {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] قِفُوا على الحدِّ لا تسبقوه ، وفي المحرمات قال {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] لأنك لو اقتربتَ منها وقعتَ فيها .
فالمعنى إذن {يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} [طه: 45] يتجاوز الحدّ ، وربما عاجلنا بالقتل قبل أن نقول شيئاً فيسبق قتلُه لنا كلامنا له .
وقوله تعالى: {أَوْ أَن يطغى} [طه: 45] فلا يكتفي بقتلنا ، بل ويخوض في حَقِّ ربنا ، أو يقول كلاماً لا يليق ، كما سبق له أن ادَّعى الألوهية .
ومن واجب الدعاة ألاَّ يَصِلوا مع المدعوين إلى درجة أن يخوضوا في حقِّ الله تبارك وتعالى ؛ لذلك فالحق سبحانه يُؤدِّب المؤمنين به بأدب الدعوة في مجابهة هؤلاء فيقول: {وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] .
ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ}
أي: لن أسلمكما ولن أترككما ، وأنا معكما أسمع وأرى ؛ لأن الحركة إما قول يُسمع ، أو فعل يُرى ، فاطمئنّا ، لأننا سنحفظكما ، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171173] .