وهذه سُنة من سُنَن الله تعالى ، فإنْ رأيتَ جنداً من الجنود منسوبين لله تعالى وهُزِمُوا ، فاعلم أنهم انحلوا عن الجندية لله ، وإلا فوعْد الله لجنوده لا يمكن أن يتخلف أبداً .
والدليل على ذلك ما حدث للمسلمين في أُحُد ، صحيح أن المسلمين هُزِموا في هذه الغزوة ؛ لأنهم انحرفوا عن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفوه عندما قال للرماة:"لاتتركوا أماكنكم على أيّ حال من الأحوال"لكن بمجرد أنْ رأوا بوادر النصر تركوا أماكنهم ، ونزلوا لجَمْع الغنائم ، فالتف من خلفهم خالد بن الوليد وألحق بهم الهزيمة ، وإن انهزم المسلمون فقد انتصر الإسلام ؛ لأنهم لما خالفوا أوامر رسولهم انهزموا ، وبالله لو انتصروا مع المخالفة أكان يستقيم لرسول الله أمر بعد ذلك؟
ففي الآية التي معنا يطمئنهم الحق تبارك وتعالى حتى لا يخافا ، فقدرة الله ستحفظهما ، وسوف تتدخل إنْ لزمَ الأمر كما تدخلْت في مسألة التمرة والجمرة ، وهو صغير في بيت فرعون .
ثم يقول لهما الحق سبحانه وتعالى: {فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ}
ونلحظ هنا أنهما لم يواجهاه بما ادعاه من الألوهية مرة واحدة ، إنما أشارا إلى مقام الربوبية {رَسُولاَ رَبِّكَ} [طه: 47] وهذه هِزّة قوية تزلزل فرعون ، ثم تحوّلا إلى مسألة أخرى ، وهي قضية بني إسرائيل ، وكان فرعون يُسخِّرهم في خدمته ويُعذِّبهم ويشقّ عليهم .
{فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ} [طه: 47] فقد جئنا لنأخذ أولادنا وننقذهم من هذا العذاب {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ} [طه: 47] أي: معجزة {مِّن رَّبِّكَ} [طه: 47] فأعادوا عليه هذه الكلمة مرة أخرى .
وقد علّمهما الحق سبحانه كيف يدخلون على فرعون؟ وكيف يتحدثون معه في أمر لا يمسّ كبرياءه وألوهيته .