والخامس: أن القول اللين: أن موسى أتاه ، فقال له: تؤمن بما جئتُ به وتعبد ربَّ العالمين ، على أن لكَ شبابك فلا تهرم ، وتكون مَلِكاً لا يُنزع منك حتى تموت ، فإذا متَّ دخلتَ الجنة ، فأعجبه ذلك ؛ فلما جاء هامان ، أخبره بما قال موسى ، فقال: قد كنتُ أرى أن لكَ رأياً ، أنت ربٌّ أردتَ أن تكون مربوباً؟! فقلبه عن رأيه ، قاله السدي.
وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية ، فقال: إِلهي هذا رِفقك بمن يقول: أنا إله ، فكيف رِفقك بمن يقول: أنت إِله.
قوله تعالى: {لَعَلَّه يتذكر أو يخشى} قال الزجاج:"لَعَلَّ"في اللغة: ترجٍّ وطمع ، تقول: لَعَلِّي أصير إِلى خير ، فخاطب الله عز وجل العباد بما يعقلون.
والمعنى عند سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما.
والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون ، وقد عَلِم أنه لا يتذكر ولا يخشى ، إِلا أن الحُجَّة إِنما تجب عليه بالآية والبرهان ، وإِنما تُبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيُقبل منها ، أم لا ، وهم يرجون ويطمعون أن يُقبل منهم ، ومعنى"لعلَّ"متصوَّر في أنفسهم ، وعلى تصوُّر ذلك تقوم الحُجَّة.
قال ابن الأنباري: ومذهب الفراء في هذا: كي يتذكَّر.
وروى خالد بن معدان عن معاذ قال: والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى يتذكَّر أو يَخْشى ، لهذه الآية ، وإِنَّه تذكَّر وخشي لمَّا أدركه الغرق.
وقال كعب: والذي يحلِفُ به كعب ، إِنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولاً ليِّناً ، وسأقسِّي قلبه فلا يؤمن.
قال المفسرون: كان هارون يؤمئذ غائباً بمصر ، فأوحى الله تعالى إِلى هارون أن يتلقَّى موسى ، فتلقَّاه على مرحلة ، فقال له موسى: إِن الله تعالى أمرني أن آتيَ فرعون ، فسألتُه أن يجعلكَ معي ؛ فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا: ربَّنا إِننا نخاف.