وخلاصة ذلك: حسبك ما حُمِّلْته من متاعب التبليغ والتبشير والإنذار، ولا تنهك بدنك بحملهم على قبول الدعوة والاستجابة لأمرك، فإن ذلك من شأننا لا من شأنك، وبيدنا لا بيدك، قال في"الكبير"ويدخل تحت قوله: {لِمَنْ يَخْشَى} الرسول؛ لأنه في الخشية والتذكرة فوق الكل.
4 -وقوله: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) } منصوب على المصدرية، بفعل محذوف تقديره: نُزَّل هذا القرآن عليك تنزيلًا من ربك، الذي خلق الأرض والسماوات؛ أي: أوجدهما من العدم إلى الوجود، وتخصيص خلق الأرض والسماوات، لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته عز وجل، ولأنهما قوام العالم وأصوله، وتقديم الأرض لكونها أقرب إلى الحس، وأظهر عنده من السماوات.
ووصف السماوات بالعلى؛ أي: المرافعة، وهو جمع العليا مؤنث الأعلى، مثل الكبرى والأكبر والكبر، للدلالة على عظم قدرة خالقها بعلوها، وعطف السماوات على الأرض، من عطف الجنس على الجنس؛ لأن التعريف مصروف إلى الجنس، لا من عطف الجمع على المفرد، حتى يلزم ترك الأولى من رعاية التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه، والمراد بهما: ما في جهة السفل والعلو، ويستتبع ذلك كل ما يتعلق بهما، وقرأ ابن أبي عبلة {تنزل} رفعًا على إضمار هو، وهذه القراءة تدل على عدم تعلق {يخشى} بتنزيل، وأنه منقطع مما قبله فنصبه على إضمار نزل، كما ذكرناه آنفًا، والظاهر في {مَن} أنها متعلقة بتنزيل، ويجوز أن يكون في موضع الصفة، فيتعلق بمحذوف وفي قوله {مِمَّنْ خَلَقَ} تعظيم وتفخيم لشأن القرآن، إذ هو منسوب تنزيله إلى من هذه أفعاله وصفاته، وتحقير لمعبوداتهم، وتعريض للنفوس على الفكر والنظر، وكأن في قوله: {مِمَّنْ خَلَقَ} التفاتًا، إذ فيها الخروج من ضمير التكلم، وهو في ما أنزلناه إلى الغيبة، وفيه عادة التفنن في الكلام، وهو مما يحسن الكلام، إذ لا يبقى على نظام واحد، وجريان هذه الصفات على لفظ الغيبة والتفخيم، بإسناد الإنزال إلى ضمير الواحد المعظم نفسه، ثم إسناده إلى من اختص بصفات العظمة التي لم يشركه فيها أحد، فحصل التعظيم من الوجهين، ذكره أبو حيان في"البحر".