وقال: ألا ترى أن الله قد أنكر عليهم قولهم فقال: (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ(55) .
قيل: ليس إنكاره عليهم - والله أعلم - من جهة أنهم شعروا
فأنكروا وكابروا ، ألا ترى أنهم يتخافتون بينهم بذلك والمكابر وإن كابر
فهو عارف بمكابرته في نفسه ، وهؤلاء يتخافتون بينهم بذلك ولكنه -
والله أعلم - على معنى أنهم مخدوعون بذلك فيظنون أنهم مكثوا
ذلك ، المقدار وأنه حق"، كما كانوا يخدعون بكفرهم في الدنيا ،"
وإماتتهم أنهم لا يحشرون ولا يبعثون. ونفس الآية التي هي في سورة
الروم حجة أيضاً في ذلك.
ذكر الشفاعة.
وقوله: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا(109)
دليل على أن الشفاعة مأذون فيها لخصوص من الناس ، وأن غير النبي
-صلى الله عليه وسلم - يشفع فيشفع ، وإن كانت الشفاعة العظمى له.
وكذا قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)
دليل على أن هناك شفعاء ، وفي زوال منفعتها عن قوم دليل على أن غيرهم يسعدون بها.
اختصار.
قال محمد بن علي: ومما يؤكد سعة لسان العرب ، وإجازته الاختصار
والإشارة إلى المعنى قوله - تبارك وتعالى - في هذه السورة: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى(116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)
فابتداء الكلام بذكر العدو لهما وحذرهما - من صنيعه بهما ، ثم
قال: (فَتَشْقَى) فجعله لآدم وحده ، ولم يقل: فتشقيا ، لأنه إذا
شقي شقيمت - والله أعلم - بشقائه.
ويجوز أن يكون المعنى فيه مصروفا إلى أن عليه التكفل
بأمرها وهو القائم عليها. فجرى اللفظ بتوحيده من هذه الجهة.