قوله تعالى: {أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً كَلاَّ} .
اعلم أن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة رد على العاص بن وائل السهمي قوله: إنه يؤتى يوم القيامة مالاً وولداً ، بالدليل المعوف عند الجدليين بالتقسيم والترديد ، وعند الأصوليين بالسير والتقسيم. وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل.
وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين: أحدهما - حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحص ، وهو المعبر عنه بالتقسين عند الأصوليين والجدليين ، وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين.
والثاني - هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة ، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما ستى إيضاحه إن شاء الله تعالى. وهذا الأخير هو المعبر عنه عند الأصوليين « بالسبر » ، وعند الجدليين « بالترديد » ، وعند المنطقيين ، بالاستثناء في الشرطي المنفصل. والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة ، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث وبذلك يتم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه: أنه يؤتى يوم القيامة مالاً وولداً.
أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول: قولك إنك تؤتي مالاً وولداً يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد كم ثلاثة أشياء:
الأول - أن تكون اطلعت على الغيب ، وعلمت أن إيتاك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ.
والثاني - أن يكون الله أعطاك عهداً بذلك ، فإنه إن أعطاك عهداً لن يخلفه.
الثالث - أن تكون قلت ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غير.