وقوله تعالى: {جِثِيًّا} مستوفزين على الركب. قاله مجاهد، وسفيان. وقال السدي: (قياما) . أراد قياما على الركب وذلك لضيق المكان لا يمكنهم أن يجلسوا ولا أن يقوموا أيضا. وهو جمع: جاثٍ من قولهم: جَثَا على ركبته يَجْثُو جُثُوًا فهو جَاثٍ. قال الله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} [الجاثية: 28] ويجمع الجَاثِي جُثِيَا كما قلنا في البكي، وأصله فعول وقد تقدم القول فيه. وقال ابن عباس في قوله: {جِثِيّا} : (جماعات جماعات) .
وهو قول مقاتل، والكلبي. وعلى هذا الجُثَي جمع جَثْوَة وجُثْوَة وهي: المجموع من التراب والحجارة، ومنه قول طرفة:
تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صفِيْحٍ مُنَضَّدِ
والأول اختيار الزجاج، وأبي عبيدة.
69 -وقوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ} أي: لنأخذن ولنخرجن {مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} من كل فرقة وجماعة {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} أي: الأعتى فالأعتى منهم، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم ثم الذي يليه. قال أبو الأحوص: (يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما) . وقال قتادة: (لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤسهم في الشر) .
ونحو هذا قال الكلبي في تفسير: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} قال: (قائدهم ورأسهم في الشر) . والعتي هاهنا مصدر كالعتو وهو: التمرد في العصيان. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (أيهم أشد عصيانا) . وقال في رواية عطاء: (أيهم أعظم فرية) . وقال مقاتل: (أيهم أشد علوا في الكفر) .
وقال الكلبي: (يعني جراءة بالفراء والكذب) . وقال مجاهد: (كفرا) . قال أبو إسحاق: (فأما رفع {أَيُّهُمْ} فهي القراءة، ويجوز(أيَّهُم) بالنصب، حكاها سيبويه وذكر: أنها قراءة هارون الأعور.