ويطلق على الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون جهراً.
أي تضرعاً لأنه أوقع في نفس المدعو.
ومعنى الكلام: أن زكرياء قال: يا رب ، بصوت خفي.
وإنما كان خفياً لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أنّ الله يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس ، فلذلك لم يدعه تضرعاً وإن كان التضرع أعون على صدق التوجه غالباً ، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه ، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء.
ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفياً ، لأنه نداء من يسمع الخفاء.
والمراد بالرحمة: استجابة دعائه ، كما سيصرح به بقوله: {يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} [مريم: 7] .
وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) }
جملة {قَالَ ربّ إنِّي وهَنَ العَظمُ مِني} مبنية لجملة {نادى ربه} [مريم: 3] .
وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله: {فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ ولِيّاً} .
وإنّما كان ذلك تمهيداً لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد.
والله يجيب المضطر إذا دعاه ، فليس سؤاله الولدَ سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر.
ووصَف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالاً ومئالاً ، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالاً مقتضياً للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة ، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة لغيره وهو الميراث بعد الموت.
والخبران من قوله: {وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً} مستعملان مجازاً في لازم الإخبار ، وهو الاسترحام لحاله.
لأن المخبَر بفتح الباء عالم بما تضمنه الخبران.
والوهن: الضعف.