قال الفراء: إن القرآن نزل بلغة العرب ومن عادتهم تكرار الكلام للتأكيد والإفهام فيقول المجيب: بلى بلى، الممتنع: لَا لا، وعليه قوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) } ، وأنشد قوله (من الطويل) :
كائن وكم عندي لهم من صنيعة ... أيدي سنوها عليّ وأوجبوا
وقوله (من الرجز) :
نعق الغراب ببين ليلى غدوة ... كم كم وكم بفراق ليلى ينعق
وهو كثير نظمًا ونثرًا.
الوجه الثالث: وسائل التكرار.
يكون التكرار بإعادة اللفظ بعينه اسمًا كان أو فعلًا أو حرفًا كقولك مثلا: زيدٌ زيدٌ لمهذب، وكقولك: جاء جاء النذير، وكقولك: إنَّ إنَّ محمدًا آتٍ، وتارة يكون التكرار بإعادة المعنى وإن اختلف اللفظ كإعادة قصة في أكثر من مكان لفائدة كتكرار قصة موسى - عليه السلام - في القرآن الكريم.
وقد بين القزويني أن التكرير يأتي لفائدة: كتأكيد الإنذار كما في قوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) } [التكاثر: 3، 4] وكزيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقى الكلام بالقبول كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) } [غافر: 38، 39] ، وقد يكرر اللفظ لطولٍ في الكلام كما في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) } [النحل: 119] ، وقد يكرر لتعدد المتعلق كما كرره الله تعالى من قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } [الرحمن: 13] ؛ لأنه تعالى ذكر نعمة بعد نعمة، وعقب كل نعمة بهذا القول. ومعلوم أن الغرض من ذكره عقيب نعمة غير الغرض من ذكره عقيب نعمة أخرى.
الوجه الرابع: التكرار في عموم القرآن كمنهج عام، وفيه مباحث: