قال ابن تيمية: وَهَكَذَا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ قَرَّرَ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ الله، وَعَنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَزَادَ ذَلِكَ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا. وَبَيَّنَ الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَرَّرَ نُبُوَّةَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَرِسَالَةَ الْمُرْسَلِينَ، وَقَرَّرَ الشَّرَائِعَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي بُعِثَتْ بِهَا الرُّسُلُ كُلُّهُمْ. وَجَادَلَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ بِأَنْوَاعِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، وَبَيَّنَ عُقُوبَاتِ الله لَهُمْ وَنَصْرَهُ لِأَهْلِ الْكُتُبِ المُتَّبِعِينَ لَهَا، وَبَيَّنَ مَا حُرِّفَ مِنْهَا وَبُدِّلَ، وَمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبَيَّنَ أَيْضًا مَا كَتَمُوهُ مِمَّا أَمَرَ الله بِبَيَانِهِ. وَكُلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّاتُ بِأَحْسَنِ الشَّرَائِعِ وَالْمَنَاهِجِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فَصَارَتْ لَهُ الْهَيْمَنَةُ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَهُوَ شَاهِدٌ بِصِدْقِهَا وَشَاهِدٌ بِكَذِبِ مَا حُرِّفَ مِنْهَا، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِقْرَارِ مَا أَقَرَّهُ الله، وَنَسْخِ مَا نَسَخَهُ فَهُوَ شَاهِدٌ فِي الْخَبَرِيَّاتِ حَاكِمٌ فِي الْأَمْرِيَّاتِ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى"الشَّهَادَةِ"و"الْحُكْمِ"يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ مَا أَثْبَتَهُ الله مِنْ صِدْقٍ وَمُحْكَمٍ، وَإِبْطَالِ مَا أَبْطَلَهُ مِنْ كَذِبٍ وَمَنْسُوخٍ، وَلَيْسَ الْإِنْجِيلُ مَعَ التَّوْرَاةِ وَلَا الزَّبُورِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ بَلْ هِيَ مُتَّبَعَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ إلَّا يَسِيرًا نَسَخَهُ الله بِالْإِنْجِيلِ؛ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ.
الوجه الخامس والعشرون: إعجاز القرآن في أسمائه وصفاته
لا يوجد كتاب على وجه الأرض له من الأسماء والصفات ما كان للقرآن.