المظهر الرابع: ذلك النجاح الباهر الذي أحرزه القرآن في هداية العالم. فقد وجد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنبياء ومصلحون، وعلماء ومشترعون، وفلاسفة وأخلاقيون، وحكام ومتحكمون، فما تسنّى لأحد من هؤلاء، بل ما تسنى لجميعهم أن يحدثوا مثل هذه النهضة الرائعة التي أحدثها محمد - صلى الله عليه وسلم - في العقائد والأخلاق، وفي العبادات والمعاملات، وفي السياسة والإدارة، وفي كافة نواحي الإصلاح الإنساني. وما كان لمحمد ولا لألف رجل غير محمد أن يأتوا بمثل هذا الدستور الصالح الذي أحيا موات الأمة العربية في أقل من عشرين سنة، ثم نفخ فيهم من روحه فهبّوا بعد وفاته ينقذون العالم؛ ففتحوا ملك كسر وقيصر، ووضعوا رِجلًا في الشرق ورِجلًا في الغرب، وخفقت رايتهم على نصف المعمور في أقل من قرن ونصف قرن من الزمان.
الوجه الثالث والعشرون: القرآن معجزة متجددة
إن إحدى أهم أوجه إعجاز القرآن الكريم، أن معجزته متجددة وعجائبه لا تنقضي، فالقرآن معجزة باقية على طول الزمان من حين جاء به الرسول تُتْلى آيات التحدّي به، ويُتلى قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 34] ، و {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] ، {بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 38] .
وإخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق؛ دليلٌ على أنّه كان خارقًا يعجز الثقلين عن معارضته، وهذا لا يكون لغير الأنبياء.
وها هو القرآن الكريم مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتابًا يقرأه الناس، وقال إنّه مثله، وهذا يعرفه كلّ أحدٍ.
الوجه الرابع والعشرون: الإعجاز في هيمنته على الكتب السابقة وجمعه لعلومها
قال الزركشي: ومن وجوه الإعجاز جعله آخر الكتب غنيًا عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يُرجع فيه إليه، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) } [النمل: 76] .